أحمد زكي صفوت
102
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
فنمت فيه ، فجاءنى فقال : احفر المضنونة . قلت : وما المضنونة ؟ « 1 » فذهب عنى ، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعى فنمت فيه ، فجاءنى فقال : احفر زمزم ، إنك إن حفرتها لا تندم ، فقلت : وما زمزم ؟ قال : « تراث من أبيك الأعظم ، لا تنزف أبدا ولا تذمّ « 2 » ، تسقى الحجيج الأعظم ، مثل نعام جافل لم يقسم « 3 » ، ينذر فيها ناذر لمنعم ، تكون ميراثا وعقد محكم ، ليس كبعض ما قد تعلم ، وهي بين الفرث والدم « 4 » ، عند نقرة الغراب الأعصم « 5 » ، عند قرية النمل » . فلما بيّن له شأنها ، ودله على موضعها ، وعرف أنه قد صدق . غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث ليس له ولد غيره ، فحفر بين أساف ونائلة ، في الموضع الذي تنحر فيه قريش لأصنامها ، وقد رأى الغراب ينقر هناك ، فلما بدا له الطّوىّ « 6 » كبّر ، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته . ( تاريخ الكامل لابن الأثير 2 : 5 ، والسيرة الحلبية 1 : 31 ، وسيرة ابن هشام 1 : 90 )
--> ( 1 ) طيبة ، وبرة ، والمضنونة : أسماء لزمزم . ( 2 ) نزفت البئر : نزحت كنزفت بالضم ، وبئر ذمة بالفتح وذميم وذميمة : قليلة الماء لأنها تذم . ( 3 ) جفل النعام : أسرع وذهب في الأرض ، ولم يقسم : لم يفرق . ( 4 ) أي في محلهما ، والفرث : السرجين في الكرش ، وذلك بين إساف ونائلة ، ( وإساف ككتاب وسحاب : صنم وضعه عمرو بن لحى على الصفا ، ونائلة على المروة تجاه الكعبة ) ، وكانت قريش تذبح عندهما ذبائحها التي تتقرب بها . ( 5 ) الأعصم : قيل أحمر المنقار والرجلين ، وقيل أبيض البطن ، وقيل أبيض الجناحين ، وقيل أبيض إحدى الرجلين . ( 6 ) الطوى : البئر .